الشرق الأوسط بين نار الحرب وموازين الردع: مرحلة ما بعد غزة ولبنان

عاجل

الفئة

shadow
*منجد شريف*

تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة بالغة الدقة، حيث يخرج الإقليم تدريجيًا من حرب شاملة امتدت من غزة إلى جنوب لبنان ولامست العمق السوري، تاركة خلفها واقعًا ميدانيًا وسياسيًا معقدًا، يحمل مؤشرات إلى تحوّلات استراتيجية، لكنه لا يختزل المعركة في انتصار طرف وهزيمة آخر، بل يعكس إعادة ترتيب التوازنات بناءً على معادلات جديدة، لا تزال قيد التشكل.

المواجهة الأخيرة التي بدأت من قطاع غزة جاءت في سياق تصاعدي مدروس من جانب محور المقاومة، ضمن استراتيجية تهدف إلى فرض معادلة ردع متعددة الجبهات، تربك الحسابات الإسرائيلية وتمنع استفراد أي ساحة دون الأخرى. لكن سرعة توسّع رقعة الاشتباك، وما تبعه من تصعيد ميداني في جنوب لبنان، ومن ثم انهيار التحالفات في الساحة السورية، أدخل المنطقة في مشهد جديد، تتداخل فيه الإنجازات التكتيكية مع الأثمان الثقيلة على كافة الأطراف.

حزب الله، الذي خاض مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي في الجنوب، أثبت قدرته على إدارة معركة استنزاف طويلة رغم الكلفة العالية، ميدانيًا وبشريًا. وفي المقابل، وظّفت إسرائيل كامل تفوّقها العسكري والاستخباراتي لتوجيه ضربات دقيقة للبنية التحتية للمقاومة وتصفية لقيادات الصف الاول و على رأسهم شهيد الأمة السيد حسن نصر الله فضلاً عن الكوادر، في محاولة لإعادة رسم خطوط حمراء جديدة على الجبهة الشمالية. 
و إنتهت الجولة بوقف إطلاق النار ضمن مندرجات القرار الدولي ١٧٠١ و هو الشيء الذي لم تلتزم به إسرائيل لاحقاً و ما زالت تنفذ ضربات يومية،معتمدة على بنك اهداف قديم جديد،تعمل طائرات الام ك على تأكيده،ليتم ضربه لاحقاً،في خرق يومي للقرار الدولي.
وبين هذا وذاك، ظل المشهد اللبناني معقّدًا، تتداخل فيه الاعتبارات الوطنية، والضغوط الدولية، والتوازنات الداخلية الحساسة.

في ذروة التصعيد، طرحت واشنطن مبادرة دبلوماسية وُصفت بـ”الفرصة الأخيرة”، تقوم على ثلاث ركائز: انسحاب إسرائيل من بعض النقاط الحدودية المتنازع عليها، وقف شامل لإطلاق النار، ونزع تدريجي للسلاح الثقيل من الجنوب اللبناني بإشراف دولي وبموافقة الدولة اللبنانية. المبادرة حظيت بترحيب مشروط من بعض القوى السياسية، ورفض مبدئي من قيادة حزب الله، لكنها فُتحت كباب تفاوض غير مباشر على لسان وسطاء.

في هذا السياق، برز الدور الحاسم لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شكّل نقطة توازن بين منطق المقاومة ومطلب الدولة. بري، المعروف بحكمته في إدارة مراحل الأزمات، استعاد موقعه كمحور تفاوض بين الأميركيين والفرنسيين من جهة، وحزب الله من جهة أخرى، محاولًا ربط أي تفاهم سياسي بحماية وحدة لبنان الداخلية ومنع استفراد أي طرف بالقرار السيادي. بري شدّد في مواقفه الأخيرة على أن “السلاح لا يُبحث في ظل عدوان”، وأن “الضمانات الدولية وحدها غير كافية ما لم تقترن بإنهاء الاحتلال والتهديدات الإسرائيلية”.

موقف الدولة اللبنانية الرسمي بقي ضمن إطار متماسك حتى الآن: لا حديث عن نزع السلاح خارج تفاهم شامل، ولا قبول بأي ضغوط تمس السيادة الوطنية. 
في موازاة ذلك، يستمر الجيش اللبناني في تعزيز حضوره جنوب الليطاني، بدعم دولي متزايد، وسط حرص رسمي على تثبيت معادلة جديدة: لا وجود لقوة مسلحة خارج الشرعية، لكن لا مساس بدور المقاومة إلا ضمن تفاهمات شاملة تحظى بإجماع داخلي.

في المقابل، تواصل إسرائيل استثمار نتائج الحرب دبلوماسيًا، لكنها تجد نفسها أمام بيئة أمنية غير محسومة، فالمعركة العسكرية لم تُنهِ واقع التهديد، بل أجّلت تفجّره إلى جولات أخرى. أما في محور المقاومة، فلا تزال هناك قناعة راسخة بأن أدوات الضغط لم تُستنزف بالكامل، وأن الزمن يلعب دورًا متغيرًا في الميدان والسياسة على السواء.

إن المشهد لا ينحصر في رابح وخاسر، بل في خريطة متغيرة يتراجع فيها الصراع التقليدي بين دول وجيوش، ليُستبدل بصراع معقّد بين محاور متداخلة، تمتلك كلّ منها أدوات قوة وضعف. والمستقبل القريب سيحسمه من يُجيد قراءة لحظة ما بعد الحرب، لا فقط في عدّ الصواريخ والمواقع، بل في كسب الرواية، وإعادة تشكيل ميزان الشرعية والقدرة في آنٍ معًا.
مقالتي اليوم في جريدة البناء
منجد شريف

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة